الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
158
شرح ديوان ابن الفارض
أي من تعليل الرجل لنفسه أن ينادي ليالي الوصل ويسألها هل من عودة إلى الوصل بعد الانفصال ، وإلا فمن المعلوم أن لا عودة لفائت ، والتعليل مأخوذ من قولهم : علّلت فلانا بالبستان ، أي شغلته به فكان الشيخ رضي اللّه عنه يقول : إن ندائي لليالي الوصل وسؤالي لها عن الوصل بعد الانفصال مجرّد علالة للقلب عن الأحباب . الإعراب : أي : حرف نداء . وليالي الوصل : منادى مضاف ، وتسكين ياء الليالي للضرورة . وعودة : مبتدأ ، والخبر محذوف ، أي هل من عودة موجودة . ومن التعليل : خبر مقدّم . وقول الصّب : مبتدأ ومضاف إليه . وأيّ مع ما حذف بعدها مقول القول ، إذ المراد من تعليل الرجل لنفسه قوله : يا ليالي الوصل هل من عودة . وفي البيت ردّ العجز على الصدر في ذكر أول البيت وآخره . [ المعنى ] ( ن ) : ليالي الوصل كناية عن عالم الروح الأمري فكونها ليالي لأنها من عالم الكون فهي أول مخلوق ظهر عن أمر اللّه تعالى القديم ، وكونها ليالي الوصل فإن السّالك إذا صفا عن أكدار الطبيعة وأحكامها يصير روحانيّا فيتصل بأمر اللّه تعالى الذي هو كلمح البصر من غير اتصال . وقوله : هل من عودة ؟ فإن اللّه تعالى خلق الأرواح قبل الأجسام بألفيّ عام كما ورد في الأثر ، ثم إذا سوّى اللّه تعالى الجسم من العناصر والطبائع على حسب ما سبق به العلم القديم نفخ فيه من روحه فاختفى على هذا السّالك حقيقة ما هنالك ، فطلب العود إلى ما كان لتنكشف له شجنة الرّحم المتعلقة بعرش الرحمن ، وللّه درّ الإمام الجيلي حيث قال في مثل هذا الشأن : تعالوا بنا حتى نعود كما كنّا * ولا عهدنا خنتم ولا عهدكم خنّا اه . وبأيّ الطّرق أرجو رجعها ربّما أقضي وما أدري بأيّ [ الاعراب ] هذا البيت يقرّر بأن لا عودة للعود ، وأن سؤاله عنها مجرّد تعليل لنفسه ، وأن لا طمع فيه لأن المراد بأيّ طريق أرجو رجع ليالي الوصل ، أي لا طرق ولا سبب أرجو به رجع ليالي الوصل وحيث انتفى السبب للرجوع انقطعت الأطماع فيه . وقوله « ربما أقضي » أقضي على وزن أرمي ومعناه أموت ، أي ربما أموت وأنا لا أعلم الطريق المؤدّية إلى عود ليالي الوصل . و « بأيّ » : متعلق بأرجو . وربّ : مكفوفة بما ، فلذلك دخلت على الفعل . وجملة وما أدري : جملة حالية من فاعل أقضي وهو ضمير المتكلم . وقوله « ما أدري بأيّ » أي وأنا لا أدري بأيّ طريق ترجع ليالي الوصل . وفي البيت ردّ العجز على الصدر بذكر أي في أول البيت وآخره . وتأمل هذه الأبيات